محمد بيومي مهران
229
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
بناء هذه المعابد وأمثالها ، لأنهم أمة خيام لم تتأصل فيهم صناعة البناء ، وهؤلاء الباحثون وأمثالهم - فيما يرى الأستاذ العقاد - يتشبثون بالفروع ، ويغفلون الأصل ، بجذوره وجذوعه عليه ، فمهما يكن من لغة البناء الرومي أو الحبشي ، فالقبائل العربية لم تبن تلك البيوت لأن البناء من الروم أو من الحبش ، ولم ترد أن تنشئ لها بيتا يسمى « الكعبة » أو المكعبة في اللغة الرومية ، وإنما وجدت الحاجة إلى البيت الحرام ، ثم وجدت الوسيلة إلى تلك الغاية ، ولو لم يبنه أحد من الروم أو الحبش ، لبناه أحد من فارس أو مصر أو الهند أو غيرها من الأمم التي تقدمت في هذه الصناعات « 1 » . وقد بنى سليمان بن داود هيكله في وقت كان اليهود فيه ما يزالون في بداوة بدائية ، يندر فيهم من يعرف أصول حرفة أو صناعة أو علم من علوم الدنيا ، وكان الاعتماد على الفينيقيين الأجانب ، وعلى رأسهم حيرام الصوري - كما نقرأ في التوراة « 2 » - هو الحل الوحيد الممكن أمام داود وسليمان ليرتفع هيكل الرب « 3 » ، وكان المعبد في نهاية الأمر مزيجا عجيبا من الفنون المصرية والبابلية والفينيقية ، ورغم أن التوراة تشيد بإعجاب بالمساعدة الفينيقية ، فإن المعلومات التي يقدمها لنا سفر الملوك الأول تتيح لنا بسهولة التأكد من واقع تأثير مصر وبلاد الرافدين ، وعلى أي حال ، فإن سليمان كان مضطرا إلى أن يتطلع إلى نماذج خارج بلاده ، فهو لم يكن لديه في إسرائيل إلا تقاليد يهودية قليلة ، ما كانت لتفيده شيئا في بناء المعبد ، ومن ثم ، فإنه - رغم ما كان ينظر إليه تجاه الفن المصري والبابلي ، إلا أن
--> ( 1 ) عباس العقاد : مطلع النور ص 111 - 112 ، وأنظر : تفسير الطبري 11 / 89 - 90 ( طبعة دار المعارف 1957 ) ياقوت 4 / 463 - 465 ، احمد حسن الباقوري : مع القرآن ، القاهرة 1970 ( 2 ) ملوك أول 7 : 13 - 14 ( 3 ) حسن ظاظا : القدس ص 36 - 38